صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

256

شرح أصول الكافي

اما القضية الأولى : فلمّا مرّ مرارا انّ الوجود المحض لا حدّ له ولا جزء ولا برهان عليه ، إذ الحدود والبراهين مأخوذة من ذاتيات الشيء وصفاته الكلّية ، وعلمت أيضا انّ الأسامي بإزاء المفهومات وحدودها ، فذاته تعالى من حيث هويته الوجودية غير محدود ولا مسمى . واما القضية الأخرى : فانّ كل اسم وصفة واقع تحت جنس من عوالي الأجناس ، والصّفات الإضافية واقعة تحت مقولة المضاف ، والصّفات الحقيقية أيضا ، كالعلم والقدرة مفهوماتها ، واقعة تحت مقولة الكيف ، وكل ما له جنس فله فصل وكلما له جنس وفصل فله حد ، فجميع الأسماء والصّفات موصوف بحدّ وله اسم ، فالواجب تعالى الّذي هو بذاته صانع الأشياء هو غير كل اسم وصفة . السابعة قوله : لم يتكوّن فيعرف كينونيته بصنع غيره ، يريد بيان : انّه تعالى لا يمكن ان يكون مدركا لغيره ، إذ ادراك الشيء امّا بحصول صورته أو بحضور ذاته ، وكلّ ما يدرك بحصول صورته فهو امر كلّي وله احتمال الشركة بين الأمثال . والوجود كما مرّ ليس بكلّي ولا جزئي له أمثال ، فلا يمكن معرفة شيء من الهويات الوجودية الّا بنفس هويته وحضور ذاته ، ولا حضور للشيء الوجودي « 1 » إلا لنفسه أو لصانعه ، فمدرك كلّ وجود اما ذاته أو صانع ذاته لا غير ، فكلّ معروف لغيره فذلك الغير صانعه وموجده ، وواجب الوجود حيث لم يتكون من غيره فلا يعرفه غيره ، لما ذكرنا ان لا حضور للشيء الوجودي الّا لذاته أو لصانعه ومكونه ، فانّ صانع الشيء محيط به ، لانّه تمام ذاته ، واما المصنوع فهو غير مدرك لصانعه ، إذ ليس عنده من الصّانع الا وجه من وجوهه وحيثية من حيثياته كنسبة ضوء أو ظلّ من الشمس إلى الشمس . فظهر من هاهنا انّ ذاته تعالى لا يعرفه غيره ، فثبت انّ ذاته غير أسمائه وصفاته لانّها معروفة وهذا هو المطلوب . الثامنة ان كلّ ما ينتهى إليه معرفة أحد فهو تعالى غيره ، لما مرّ ان كلّ ما يتصوّر في عقل أو وهم أو حسّ من المعاني والماهيات فله أمثال وأشباه واللّه ليس له مثل ولا شبه ، فهذه أيضا حجة على انّ أسمائه وصفاته ليست هي بحسب المفهوم ذاته . نعم ! لا وجود لها فيه تعالى الّا وجود الذات ، على انّها غير موجودة في حدود أنفسها ؛ فهذا من الغوامض ، فانّها

--> ( 1 ) - الموجود - م - د .